محمد علي سلامة

86

منهج الفرقان في علوم القرآن

النسخ معناه لغة : يطلق بمعنى الإزالة . . ومنه يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته ونسخت الريح أثر المشي أي أزالته ونسخ الشيب الشباب إذا أزاله ومنه تناسخ القرون والأزمنة . . والإزالة هي الانعدام ولهذا يقال زال عنه المرض والألم وزالت النعمة عن فلان ويراد به الانعدام في هذه الأشياء كلها . وقد يطلق بمعنى نقل الشيء وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه . قال السجستاني من أهل اللغة : « والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك ومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل وإليه الإشارة بقوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف أو من الصحف إلى غيرها . . أه . وهل هو مشترك لفظي بين كل من المعنيين المذكورين أو أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل والتحويل ؟ خلاف لا حاجة لذكره هنا ومع ذلك فهو خلاف لفظي . وأما في الاصطلاح : فهو رفع الحكم الشرعي من حيث تعلقه بالفعل بخطاب . . فخرج بالحكم الشرعي رفع الإباحة الأصلية أي البراءة الأصلية كإيجاب صوم رمضان فإنه رفع إباحة عدم صومه وهو البراءة الأصلية وليس المراد بالإباحة الإذن في الفعل والترك فإنها بهذا المعنى شرعية ، وخرج بقولنا بخطاب رفع الحكم بموت أو جنون أو غفلة وكذا لا نسخ بعقل أو إجماع أو قياس . وشمل التعريف النسخ بفعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كنسخ الوضوء مما مست النار بأكله صلّى اللّه عليه وسلّم الشاة ولم يتوضأ لأن الفعل دال على قول الله تعالى الذي هو الخطاب الناسخ . وقيل في تعريفه « النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق ، وأنت خبير بأن في هذا تساهلا إذ النسخ هو

--> ( 1 ) الجاثية : 29 .